نور سلطان والأديان. من كراهية قابيل إلى إيمان هابيل

في الأعوام الأخيرة تصاعدت أعمال العنف على أساس ديني بشكل ملحوظ، وتسببت في مقتل عدد كبير من البشر في مختلف أنحاء العالم، ورغم ذلك فإن العنف القائم على أساس ديني ليس وليد العصر الحديث، بل هو قديم قدم البشرية، بل إن أول حادثة قتل في تاريخ البشرية، ارتكبها القاتل بدعوى دينية، فقد قتل قابيلُ هابيل بسبب طقس تعبدي وهو القربان، الذي لم يتقبله الله منه بينما تقبله من هابيل، ثم على مدار التاريخ البشري نجد حروبًا طاحنة قامت بسبب دعوات دينية؛ إذ لطالما اتخذ البشر من الاختلاف في العقيدة سببًا لاضطهاد الآخر المختلف، مع أننا عندما نبحث في المصادر الأصلية المقدسة للأديان السماوية وحتى غير السماوية نجد أنها جاءت بالأساس لتحقيق السلام للبشر.
في المقابل تزداد أيضًا الدعوات لإحلال السلام العالمي والقضاء على الحروب والنزاعات، وبين تصاعد العنف على أساس ديني والدعوة لتحقيق السلام، يتبادر إلى الأذهان سؤالًا قد يبدو منطقيًا، وهو: هل الحل لتحقيق السلام هو أن ننزع البشر من هوياتهم الدينية؟
هناك من يجيب على هذا السؤال بنعم، وهو اتجاه يحاول البعض جر المجتمعات إليه بطرائق ووسائل مختلفة، لكنني قبل تقديم إجابتي على هذا السؤال أعود مرة أخرى لقصة قابيل وهابيل، فللقصة بقية يتجاهلها أو يغفل عنها أصحاب دعوات الانسلاخ عن الدين، وهي أن هابيل امتنع عن الرد على جريمة قابيل، وكان الدين هو دافعه للامتناع عن ارتكاب الجريمة التي لو امتدت لكل أبناء آدم لربما كانت قد أفنتهم، فقال: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المائدة28.
وهنا نفهم بوضوح أن الدافع لجريمة القتل لم يكن الدين، بل كان الفهم الخاطئ الذي غذته كراهية الإنسان لأخيه الإنسان، بينما كان الخوف من الله النابع من الإيمان الذي يولده الدين سببًا في إنقاذ البشرية من الهلاك؛ لذلك فإن الحل ليس في هجر الدين والعزلة معه، بل في العودة إلى صحيح الأديان، التي يعبر عنها فهم هابيل، والعكس صحيح إذ أن الابتعاد عن الدين أو الإلحاد وما يتبعه من تدمير للقيم وتفتيت لبنية المجتمع وغياب للوازع الديني يقود البشرية إلى عالم يكون فيه قانون الغاب أقل قسوة مما سيواجهه البشر لو تخلوا عن أديانهم.
وإذا كان فهم هابيل لرسالة الأديان وهي السلام هو الحل الذي ننشده، فإن الوصول إلى هذا الحل في رأيي بدأ من نور سلطان، حيث فهمت كازاخستان مبكرًا أن تعدد الأديان واختلاف الثقافات يمكن أن يسهم في حل الصراعات، وذلك عن طريق بناء وعي صحيح برسالة الأديان ودورها في تعزيز السلام، وهذا لا يتحقق إلا بجهد مشترك من زعماء جميع الأديان، الذين يمتلكون القدرة على إلهام أتباعهم وتوجيههم، وإرشادهم إلى المعاني السامية في الأديان.
ومن هنا فإن مؤتمر زعماء الأديان الذي تنظمه كازاخستان كل 3 سنوات، يعكس فهمًا صحيحًا لرسالة الدين كمنقذ للبشرية، ويجسد تطلعاتنا في تحقيق السلام العالمي على أساس احترام البشر لاختلافات بعضهم البعض، ويعظم من الدور الإنساني للدين الذي يعلي من قيمة النفس البشرية، ويقدم المصلحة الإنسانية العامة على المصالح المادية أو القطرية الضيقة.
وبالنظر إلى العديد من مشكلاتنا الكبرى التي تهدد مصير البشرية، والتي لم يتهم أحد فيها الدين، كالتغير المناخي وأزمة وباء كوفيد19، وحتى الأزمات الاقتصادية، نجد أن غياب القيم الإنسانية التي ينميها الدين سببًا في عجز البشرية في مواجهة هذه الأزمات، فالأنانية والمادية والاستعلاء والكراهية، وهي قيم يمكن أن نطلق عليها (قابيلية) لأنها تتطابق مع دوافع قابيل في قتل أخيه، هي سبب رئيس لتفاقم تلك الأزمات، ونحن هنا لا نسعى أن تقيد الأديان حركة التطور بل ندعو أن يحتكم العالم إلى القيم والمشتركات الإنسانية العليا التي جاءت بها كل الأديان لتحقيق السلام الإنساني، وهو ما يتحقق فعلًا من خلال ما تبذله كازاخستان في مؤتمرها السنوي.
د.سلطان فيصل الرميثي
الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين

 256 total views,  2 views today

%d مدونون معجبون بهذه: