أمل السعيدي في “مدخل جانبي إلى البيت”.. حبل السرد المربوط حول الذاكرة

الشارقة، 28 مايو، 2021،

بلغة سردية مكثّفة مليئة بالصور، وأخرى شعرية، تصعد الكاتبة العُمانية أمل السعيدي مع قرّائها إلى قمّة التلّ، تجلس معهم قرب نار خفيفة أوقدتها بالكثير من المشاهدات واليوميات والخذلان والتعثر والنضج، لتروي لهم دفقات من المشاهد والصور في كتابها الجديد “مدخل جانبي إلى البيت” الصادر عن دار روايات، التابعة لمجموعة كلمات للنشر، في 122 صفحة من القطع المتوسط.

“كان عمّي قد أضاع طفله الأصغر، ارتدى الكِبار معاطفهم، وأشمغة غطوا بها أعناقهم، وآذانهم، وانطلقوا في البحث عنه، كان ابن عمي محتضناً طائرته الورقية في وسط الشارع، مستسلماً بوحشية للموت، ربّما دهسته سيارة مسرعة، كان كلّ شيء كئيباً، وكان يرتدي حذاءه، نظر أبي حينها نحوي، كنتُ في الخارج لم أستطع أن أنتظر أكثر، جاء إليّ مسرعاً، وضربني، بعصا الطائرة الورقية لأنني أمشي بلا حذاء، كان يصرخ كما لو أنه جُنَّ، عُدتُ ركضاً إلى البيت، وشوهد أبي تلك الليلة يمشي باتجاه المزرعة، وأمي ما زالت على السلالم ترقب شيئاً ما، عودة الأشجار وأبي”.

– من الكِتاب

منذ الكلمة الأولى

لا بداية ولا نهاية للعمل، تضع السعيدي القارئ أمام فضاء مفتوح على الكثير من التساؤلات التي أرادت لها أن تكون أرجوحة صُنعت من حِبال اليوميات المتناثرة، خليطٌ من اللغة الجميلة، العالية تارة، والبسيطة تارة، تمنح القارئ فرصة التجوّل في زاوية المنزل الذي صار بطل العمل.

وجهٌ واحدٌ للهلع

تهدي السعيدي مدخل جانبي إلى البيت، إلى الكويت، وتمشي رفقة القرّاء بهدوء، حاملين أحذيتهم وكأنها أرادت من خلال هذه النصوص أن تنعزل معهم عن العالم، فتروي تشابك العلاقات بين الأب والأم، والأخ والأخت، والزوج والزوجة، والمكان والذاكرة، وتحكي سيرة الحزن والفرح والمرض والزواج والحياة والموت.

تقول في فصل يحمل عنوان “سأقتلُ أبي“: “استيقظت اليوم على شعور من يقتل أباه، تلك الرغبةُ الطفولية في أن تذهب أبعد مما نشأتَ عليه، وأن تعكس الاتجاه، الذي وبطبيعة الحال يبدأ من وجه أبيك”. 

وتتابع: “فلأقتل أبي، وليحترق كلُ العالم، بداية بأسفل السرير في بيتنا القديم حيث الأشباح، وانتهاءً بالطريقة التي تناولتُ فيها هذا الصباح مجموعة قصصية لروبرت فالزر يقول فيها: بومة داخل جدار متهدم، قالت لنفسها: أي حياة مرعبة”.

ستائرٌ لا تحجب الشمس

تواصل السعيدي سعيها من أجل إبقاء القارئ على وتيرة قريبة من شعورها، فتتمنى أن تصير لحظة “بومة”، وتصف نفسها بأنها “قطّة” ذلك لأنها سرعان ما تألف المكان وتجد خلواتها الملائمة، ولا تحتاج كثيراً للتفكير فيما يتعلّق بتأسيس عائلة وتربية الأبناء وغيرها.

المتتبع للغة السعيدي يجد أنها تبحث عن شيء ما خفيّ، هنالك أشياء كثيرة غائبة بين السطور، لكنها سرعان ما تطلُّ برأسها عالياً عندما تتمعّن أحرف الكاتبة، أشياءٌ كثيرةٌ لو بحثت عنها ستجدها أنها تستيقظ وتبرز في إيقاع السرد، لذا يمكن القول إن العمل مبنيّ على ذاكرة غزيرة بالمكاشفات، والحوارات، والصور المستلهمة من الطفولة ومرحلة المراهقة وصولاً إلى الشباب.

تقول في إحدى النصوص: “في البيت لدينا شجرٌ حقيقي، جذور ضاربة في الأرض وحبات ليمون تجفُ تحت الشمس، وساقية مياه يسمونها الفلج، ولدينا كذلك بئر كنتُ أخشى أن يموت فيها إخوتي الصغار، وبالطبع كان هنالك شجرة، شجرة أوهمتني أنني صعدتُ إلى أعلى قمّة، وأنني بعيدة، كما كلّ شيء بعيد”.

 97 total views,  2 views today